أيها المصطفى الراحل .. لقد استعجلت الرحيل ، ورسمت معالم النهاية دونما انتظار لشمس الأصيل ..
تماماً كمن يغمض عينيه مع بزوغ الفجر متشبثاً بالحلم أو متعجلاً يحدوه الشوق إلى زمن اللاّمعاناه !!
قل لي بربك أيها المصطفى .. مالذي حدا بك لاستعجال الرحيل ؟
أهو الشوق إلى لقاء أخيك الراحل قبلك .. أم سأم الانتظار على بوابة الحياة البائسة؟
سامحك الله وأخاك من قبلك ..
لقد جرحتما فؤاد المكلومة برحيلكما العاجل- أمكما – فيا لحزنها !!
فبالأمس كنت أواسيها بأي بني ، واليوم أخط لها حروفاً تجسد فراق المصطفى الراحل ..
الذي استحق هذا الاسم لأن الله اصطفاه للعيش عصفوراً على أفنان الجنة وتحت أفيائها .
بنيّ الراحلون .. إن أنتما التقيتما غداً على ضفاف الكوثر ، وتذاكرتما حياتكما الخاطفة بيننا ..
فأعدّا لي وأمكما وفاءً زورق الشفاعة واذكرونا عند ربكما بخير ..
المصطفى الراحل .. أسائلك – ولك حق التحفظ على الإجابة – عن سبب خروجك إلى عالمنا صامتاً ..
قابضاً كلتا يديك على الهباء .. أ لأنك رمقت الدنيا بعين البصيرة فعرفتها ؟!
أم هو درس خصوصي موجز لأبويك تجسد براً بهما حقيقة الحياة الدنيا ؟!
وارحمتا لك يا بنيّ الليلة .. وأنت تتوسد الثرى .. وتتدثر الصخر القاسي في ظلمة اللحد ،
مابين معذبٍ يهولك أنينه ، أو منعم ٍ يواسيك رضاه بما أنت مقدم عليه ..
بعد أن كنت البارحة في بطن أمك تأكل خلاصة ما تأكله وتشرب من أصفى ما يلامس فيها ،
وهي مع ذلك أحرص على حياتك منها على حياتها وصحتها ، بل وتتلذذ بمقاساة العناء لأجلك أنت ..
وحتى حينما كنت تركلها بقدمك أو تضرب بيدك الغضة في بطنها كانت تمتلكها الفرحة
لترسم البسمة على شفاهها غبطة بسلامتك وأنك على ما يرام .
فكيف أنت يا وليدي في أول ليلة .. والظلام يلفك ، وكل من حولك لا يجيدون غير
خبرني بالله عن بيت الوحشة ؟ وقل لي لأطمأن .. هل وجدت ثمة أصحاباً تحبهم يا صغيري ..
وتلعب معهم بالتراب المتراكم على عتبة كل منكم .. أو تشاكسهم وربما كنت المخطأ فتسبقهم بالشكوى ؟!
عفواً .. لقد نسيت أنك الآن في جنة الخلد التي لا مجال فيها للخصام ولا للشكوى فهنيئاً لك .
عزيزي المصطفى .. أهنئك من باب العدل كما هنأت أخاك من قبلك بالموت في زمن قد لا يستحق الحياة ..
وكم أنت محظوظ حينما اصطفاك الله للعيش في جنات الخلود ..
حينما لم يرد ذلك لملايين البشرممن هم على كوكبنا الميت وأسمى أمنياتهم الهجرة إلى دياركم تلك .
لكم كانت أمك تؤثر بقائك بيننا وفي بيتنا ..لتكسر الأشياء ويعلو ضجيجك فتسعد هي بشقاوتك العذبة ..
وليتك تعلم كثرة حديثها عنك وبالتفصيل ...حتى عن مأكلك ومشربك وملابسك الجميلة ..
وسريرك الصغير إلى جوارنا ودراجتك.. بل وصورتك البريئة وأنت تلعب حولنا في الحديقة
وتؤذينا أحيانا إن نحن انشغلنا عنك بالأحاديث الخاصة .. فتصرخ هي بك - وأنت تضحك -
أن أذهب الى ساحة الألعاب وأمكث حتى أدعوك..
وكذلك جلوسك إلى جوارها قبيل النوم لتقص عليك قصص الأطفال ومغامراتهم
المصطفى الراحل قد لا تكون عشت بيننا طويلا .. وقد لا أكون أحسنت إليك أو أسأت إلي ..
إلا أنني أظن أن أجمل مافعلتة بحقك على الإطلاق هو الإسراع بك إلى روضة الجنة بعد أن قدمتك إلى المحراب
ورائحة الطيب تجمّل معطفك وهربت بك من عالم الجور إلى جوار الرحمن الرحيم ..
لتحضى بالخلود مخلفاً لي الذكرى , فأفيق على شفتي منشدتان دندنة الجيلاني في جراحة إذ يقول :
رب ذكرى أرهفت نصل الأسى
واحتفت ترفض للنفس التئاما
ليت قلبي كالجلاميد التي
لم تسلم للأحاسيس الزماما
ما الذي أودى بأزهار المنى
وأحال القلب ميتاً وحطاما
من ترحّلت إلى أوقاتهم
أطلب القرب أسيراً مستهاما
أودعوني جوعهم واستوحشوا
وكأني لم أقل يوماً سلاما
سادتي أغفت مصابيح الدجى
وأنا تأبى جراحي أن تناما
منذ سنة يابني والسماء لم تبك بكاءً مراً كهذه الليلة على فراق أحدٍ سواك..
وماعلمت أنك رفرفت بجناحيك الأبيضين لطائر اللقلق – كما يقول أبن خضر-
" أن عصافير الرحمة ..وغناء الرحيل
كانا يطوفان بجسدك
حين أمطرت السماء بغزارة
عرفنا أنك الآن تصعد؟؟
أخبرني..
هل بدأت بقطف ثمارك الدانية
أم انهمكت في شرب البرتقال الذي يقشر نفسه "
فلتتكأ مبتسماً واهتف بنفسٍ راضية " فزت ورب الكعبة " لأن غيرك قد خسروا أو فاتتهم الرحلة .
ختاماً مصطفى.. اشفع تشفع , واحمل رسالتي هذه إلى أخيك ..
وذكره بأجر البرّ ومنزلة الرحم وثواب الصلة .. ومره بأمري لك أن يأذن ولو لطيفة بزيارتنا سحراً ..
متستراً بجلباب الحُلم ، وطمأنة أني وأمكم وأهل كوكبنا جميعنا إليكم قادمون ولن نطيل المكث هنا حسب وعد الله ,
وإن رأى البعض منا ذلك بعيدا ... ولك من والديك أصدق الحب وأعذبه .
رزقك الله خيراً منهما ، وجنبك من بعدهما الحزن
نعم يحزن القلب وتدمع العين وليس سوى الصبر على البلاء
الله أكبر هما عوضاً عن الدنيا إلى طيور تحلق في الجنان
الله أكبر ما جعل الله المصيبة إلا للصبر عليها
وأمر المؤمن كلـه خير إذا أصابته سراء شكر وكان خيراً له
وإذا أصبابته ضراء صبر وكان خيراً له
لقد إختار لهما الرب العيش الهنيئ والرحلة التي تُحسد من البشر
مهما أخذ الزمن من ذكراهم ولكن هي حال الدنيا لا تدوم على ما يريدها صاحبها
فأيام بسعدها ويوم بحزن يذهب السعد ، ورحلة الدنيا كقارب في البحر يتيه به تارة وينجو ،
وتارة يغرق ويرحل تاركاً الأهلة والأحباب ومن هم له بالإنتظار ،
رزقك الرب خيراً ، وولد صالح يدعو لك
لك الحمد يارب هم شفعاء أبويهم يوم لقائك
فلا تحرم والديهم جنانك ،،،،